غزة — فلسطين–SaebPress

  16/09/2014

تناقلت وكالات الانباء والأخبار خلال الايام القليلة الماضية حالات عديدة لغرق مئات الشباب الفلسطينيين من قطاع غزة على قوارب الهجرة غير القانونية التي يجب أن تسمى قوارب الموت،بل أيضاً حدثت حالات غرق أُسر كاملة في عرض البحر بالمنطقة الواقعة بين سواحل الهجرة وساحل ايطاليا التي ينتهي بها المطاف لنقل المهاجرين إلى إيطاليا، ومن ثم يتم نقلهم إلى الدول الاخرى المجهزة لاستضافة المهاجرين..، وقد غرقت القوارب أمام سواحل الاسكندرية وليبيا واليونان وقريباً من سواحل مالطة  وإيطاليا، ولم يعرف السبب الحقيقي لغرق هذه القوارب، هل هي عمليات قرصنة بحرية؟! أم غرق القارب بسبب زيادة الحمولة عليه عدة أضعاف؟! أم اعتداءات من سمك القرش ؟! أم ماذا؟!

منذ عدة ايام كتبت مقال تم نشره بعنوان (هجرة شباب غزة أصبحت المطلب الأساسي بعد فقدان الأمل في بالحياة)، وكان الهدف من ذلك المقال في حينه سياسيا ووطنيا بالدرجة الاولى، حيث تطرق إلى الاسباب التي دفعت الشباب للهجرة، وهي الظروف السياسية والامنية والعدوان الذي شُن على قطاع غزة والتدمير الكامل الذي لحق بغزة، إضافة إلى الهجرة الداخلية التي تمت في غزة من منطقة إلى أخرى والتي وصلت إلى أكثر من ثلث سكان قطاع غزة حسب الاحصائيات الرسمية الصادرة من الامم المتحدة.

غرق القارب وسط المياه الاقليمية وفقدان عائلات بأكملها



قد يتولد اعتقاد لدى البعض أن ذلك المقال المذكور كان تهويل حول الهجرة وذلك لحث الشباب على عدم الهجرة من الوطن، وهذا ما جعل الالاف من الشباب بقوا مصرين على الرغبة بالهجرة، لأن هذا البلد اصبح لا يمكن العيش فيه، وأنهم شبعوا شعارات وطنية غير مجدية، ويرددون في صريح العبارة المثل القائل (ما برميك على المر إلا إللي اَمَر منه).

غرق القارب وسط المياه الاقليمية وفقدان عائلات بأكملها5

قد يكون بعض هذا الكلام صحيحا خصوصاً من ناحية امكانية العيش في هذا البلد، وعدم القدرة على توفير لقمة العيش فيه، بالإضافة إلى أن الاستفزاز الذي يتعرض له الجميع في كل المجالات والتعاملات وفي أبسط أمور الحياة أصبح هو النهج الموجود في غزة، وهذا جعل العديد من الاُسر كاملةً أيضاً تهاجر بطرق غير قانونية وغير آمنة، بالرغم من تعرضهم لخطر الموت منذ لحظة الخروج من غزة عبر الانفاق السرية غير المكتشفة حتى الآن من الجانب المصري وهذه هي محطة الموت الاولى، ومروراً بالبقاء عدة ايام في سيناء، إما لدى أقارب أو أصدقاء لهم، أو لدى عصابات تبتزهم مالياً وذلك إلى حين نقلهم إلى سواحل التهجير المناسبة بالنسبة لهم، وهذه هي محطة الموت الثانية، وتأتي بعد ذلك محطة الموت الثالثة وهي نقل المهاجرين بالقوارب غير الامنة وبحمولة اضعافها إلى إيطاليا كمركز استقبال أولي للمهاجرين، وإذا ما وصلوا إلى سواحل إيطاليا سالمين من الغرق أو القتل أو القرصنة، فيأتي هنا الدور للمحطة الرابعة وهي قيام السلطات الإيطالية بتوزيعهم خلال يومين أو ثلاثة إلى دول أخرى مجهزة لاستقبال المهاجرين كالسويد وبلجيكا والنرويج وسويسرا غيرهم.

 وكما ذكرنا في بداية هذا المقال فقد تعرض العديد من القوارب خلال الايام الماضية إلى غرق وموت ركابها ومنها اُسر كاملة غرقت أمام سواحل اليونان وإيطاليا والإسكندرية والسلوم، وهناك عشرات القتلى والمصابين في المستشفيات في الدول القريبة من مكان الغرق.

 غرق القارب وسط المياه الاقليمية وفقدان عائلات بأكملها2

 

إن الهدف من هذا المقال الثاني حول الهجرة ليس سياسياً أو وطنياً كهدف المقال الاول، ولكنه يتعلق بالمخاطر الكبيرة التي يتعرض لها المهاجرون أثناء رحلة الموت ومحطاتها التي يقفون عندها، حيث يجب أن يعلم الجميع أن هذه الرحلة هي فعلاً رحلة الموت..  لأن بها العديد من المحطات وكل محطة بها تعتبر احدى محطات الموت، بدايةً من المرور عبر النفق وأنتهاءً بالوصول – إذا ما وصل المهاجر سالماً- إلى الدولة النهائية التي تستقبله في معسكر اعتقال لمدة 6 اشهر، حيث تقوم أجهزة الامن في هذه الفترة بدراسة وضعه وحالته وظروفه لتحديد الوضع المناسب له، وهو إما منحه اللجوء السياسي أو الإنساني، او إيجاد وظيفة مهنية له أو تشغيله عامل نظافة أو في مطعم أو تجنيده جاسوساً لأي جهاز مخابرات لأي دولة في العالم .. ومن المؤكد أن الموساد نشيط جداً في هذا المجال داخل هذه المعسكرات وخارجها، وقد يكون له دور اساسي في تشجيع أبناء قطاع غزة                 على الهجرة.

فكيف يمكن بشبابنا وعائلاتهم أن يذهبون بأرجلهم لرحلة الموت..، ومن المؤكد أن هذا الموت يعتبر انتحاراً وليس شهادة في سبيل الله أو الوطن، والكل يعرف أن مصير المنتحر هو جهنم     وبأس المصير.

إننا نقدر صعوبة الحياة لهؤلاء الشباب والأُسر الفلسطينية لإمكانية العيش في غزة، وللاستفزاز الذي يتعرضون له من كافة الجهات الموجودة في غزة، سواء كانت السلطة المسيطرة فعلياً على القطاع           -ولكنها غير رسمية-، أو السلطة غير المسيطرة على القطاع عملياً -ولكنها السلطة الرسمية-، بالاضافة إلى الاستفزاز الناتج من التعاملات الفردية بين الافراد سواء مع مسئولين أو مع بعضهم البعض، أو الاستفزاز الناتج اثناء قيادة السيارات في الشوارع من السائقين مع بعضهم البعض، وغيرهم ومن الاستفزازات الناتجة من عدم وجود قانون في البلد، وكل شخص يأخذ القانون بيده ..، بالإضافة إلى الدمار الكامل الذي حدث لقطاع غزة سواء دمار انساني وحياتي بعدد الشهداء والجرحى الذي وصل إلى عشرات الآلاف وبفقدان الابن أو الاب أو الام أو الاخت أو القريب أو فقدان الاسرة كاملة، أو الدمار العمراني بتدمير البيت أو العمارة أو البرج أو المصنع الذي أدى إلى الهجرة الداخلية داخل القطاع لما يزيد عن ثلث سكان قطاع غزة نتيجة تدمير عشرات الالاف من المنازل والعمارات والبيوت بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية كاملةً لقطاع غزة..، وهناك احصائيات تؤكد أن الغالبية العظمى من سكان قطاع غزة أصبحوا مرضى نفسيين، حيث أصبح قطاع غزة بكامله مستشفى للأمراض النفسية، تنقصه اليافطات على مداخل القطاع مكتوب عليها (مستشفى قطاع غزة للأمراض النفسية).

والسؤال هنا: هل الحل هو أن نذهب للانتحار بإرادتنا ؟!، ولكن ما هو الحل .. ؟!       

على جميع الجهات الرسمية والشعبية والمؤسسات ورجال الاعمال الفلسطينيين وخصوصاً الاثرياء منهم خارج الوطن، وكل مكونات المجتمع الغزي، التفكير جدياً بحل يحافظ على بقاء ابناءنا في وطنهم حتى لا يضطرون إلى الذهاب لرحلة الموت، لقناعتهم أنها الارحم من البقاء في غزة.

لقد شبع الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره كلاماً فصائلياً وحزبياً حول الانجازات والانتصارات والمزايدات والاحتفالات والكلمات الرنانة، وكل ذلك لا يجدي ولا يغني من جوع، وعلى كافة الجهات المسئولة المذكورة أعلاه أن ترحم أبناء شعبها ولا تستفزهم ولا تستخف بعقولهم وتبحث عن الحلول العملية لبناء الوطن وخلق مجالات العمل، وعمل النشاطات الثقافية والاجتماعية وورش العمل لتنوير الشباب في مصالحهم والرقي بهم، بالإضافة إلى حرية الرأي للجميع حتى يشعر الشباب بقيمتهم الحقيقية في وطنهم والإبداع للبناء والإصلاح بدلاً من التفكير بالهجرة.

 

المهندس/ حاتم أبو شعبان

عضو المجلس الوطني الفلسطيني

ا