Saeb Shaath

الكاتب: د. صائب شعث

المفكر الغربي المستشرق اليهودي برنارد لويس، الشديد الحقد على العرب والإسلام، وتلميذه صموئيل هنتنغتون صاحب نظرية صراع الحضارات، قاما بحث القادة والنخب الغربية للتعجيل في صناعة العدو الجديد الذي سيملأ الفراغ الذي سيحدثه انهيار “إمبراطورية الشيطان”-هذه التسمية التي أطلقها الرئيس الأمريكي الممثل رونالد ريجان على الاتحاد السوفيتي.

غياب العدو السوفيتي، سيحدث إشكاليات في استمرارية وفاعلية الحلف العسكري لشمال الأطلسي، “NATO”، وفي تحشيد ورص صفوف الغرب خلف الولايات المتحدة، وكان هناك القلق من خروج أصوات ليبرالية ويسارية وعمالية تطالب بالخفض الحاد في الأنفاق العسكري، وما سيترتب على ذلك من اختفاء للحلف العسكري لشمال الأطلسي “NATO

صناعة العدو!

كان الاستنتاج، بأنه إذا لم تسارع النخب الغربية “Western Elite” في خلق عدو جديد، فأن الهيمنة الإمبريالية على الكون ستتلاشى تدريجيا، وستتلاشى معها امتيازات العرق الأنجلو-ساكسوني “Anglo-Saxon” واحتكاره للهيمنة والسيادة على العالم ومصادره.

لمنع ليبراليي ويساريي العرق الأنجلو-ساكسوني من ارتكاب هذه الحماقة، توجب خلق عدو يرعبهم ويقض مضاجعهم ويجعلهم يتقدمون الصفوف لتجيش الجيوش للقضاء عليه، في سبيل حماية قيم الغرب الحضارية المهددة من العدو الجديد الذي يقطع رؤوس ويأكل أحشاء من يخالفه الراي، أو مو يختلف معه في العقيدة، كالقاعدة وداعش وجبهة النصرة وأخواتهم من جماعات الإسلام الراديكالي المسلح.

تفاصيل كثيرة، وحقائق تكشفت وقالها قادة الجماعات الإسلامية والمتطوعين الذين أرسلوا إلى أفغانستان لاستدراج الجيش الأحمر للدخول و التورط في أفغانستان، و ليتم ضربه وتحطيمه هناك كما حصل للجيش الأمريكي في فيتنام. القيادة أمريكية وبتنسيق بين الاستخبارات الباكستانية والمشيخات والعوائل الحاكمة في جزيرة العرب وأنور السادات، ولكل دوره وكل كان له هدفه الخاص في التفاني في خدمة أمريكا.

لقد عمل السادات بجد وجهد على هزيمة الصديق السوفيتي الذي سلح وطور قدرات الجيش المصري القتالية، والتي مكنته من الحاق هزيمة نكراء بجيش “إسرائيل”. السادات أراد أن ينافس “إسرائيل” بتحويل مصر إلى دولة وظيفية تخدم الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة “كإسرائيل” وعلاوة على تسهيل توجه الإسلاميين من مصر إلى أفغانستان و تزويد المجاهدين الأفغان بالسلاح الروسي من الترسانة المصرية، ارسل السادات قوات خاصة مصرية، لكي تنوب عن الأمريكان في القيام بالعمليات القذرة في القارة الأفريقية، أسس قوات خاصة لهذه المهام شكلها بالتعاون مع الملك الحسن في المغرب و سميت ‘سفاري’ لتقوم بكل عمل قذر تطلب منها قيادة البنتاغون أو المخابرات الأمريكية القيام به، أبناء مصر والمغرب تقتل جيرانهم الأفارقة بالنيابة عن الأمريكي.

ضربت أمريكا وتحالفها الغربي والعربي العراق عام 1991، أخر أيام الوهن السوفيتي، بعد ذلك انهار الاتحاد السوفيتي وكان للضربة التي تلقاها في أفغانستان عامل مهم في تسريع هذا الانهيار، و على اثر ذلك ظهرت الأمارات الإسلامية في أفغانستان وفي مناطق من الجمهوريات السوفيتية السابقة. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي نجحت الجماعات المتطرفة و خصوصاً القاعدة في الحفاظ على التماسك في الأيدلوجية والعسكرية و في إحكام الهيمنة الاقتصادية للغرب (العرق الأنجلو-ساكسوني “Anglo-Saxon” ) على العالم، من خلال توحيد القوى والجهود في تحالف “الحرب على الإرهاب”، الذي اطلقته على اثر هجمات سبتمبر المزعومة للقاعدة على نيويورك وواشنطن، مما بعث الحياة من جديد في إمبراطورية غربية أمريكية كان يتوقع الكثير من المفكرين والمحللين السياسيين والعسكرين انهيارها خلال عشر سنوات قبل تنفيذ هجمات القاعدة و تشكل العدو الإسلامي المتطرف.

تم ابتلاع العراق وموارده ونشر القواعد العسكرية في جزيرة العرب وتموضع الحذاء العسكري الأمريكي فوقها وعلى مصادرها، واستمر في التوسع وفي ابتلاع الدول والمناطق والمصادر والتسبب في حروب الخراب والدمار على كل شبر في المنطقة العربية وتعزيز قوة “إسرائيل” العسكرية.

في قمة وليز ركز قادة دول حلف الناتو بقيادة أوباما على صياغة استراتيجية عسكرية بشقين، شق أول يصبو نحو أوكرانيا ليحاصر روسيا، وشق ثاني شكل دول الناتو كهيكل عظمي لحلف، سوف يكسى لحما بانضمام دول اخرى و سيوجه الضربات لداعش. أوباما لا يملك استراتيجية للحرب على داعش! الكل يستغرب في واشنطن وفي قلعة ويلز من ذلك! أنا اطمئن الجميع و أحثهم على ان لا يستغربوا من غياب استراتيجية لضرب داعش، ففي نهاية المطاف يمكن السيطرة علي داعش كليا إذا تطلب الأمر، داعش يذبح ويسلخ في العراق وفي سوريا والألاف قتلوا بيده فلماذا الأن تتشكل الأحلاف لدكه، وتستعرض أمريكا عضلاتها بتوجيه ضربات محدودة له؟

ازداد صلابة عود داعش بعد السيطرة على الموصل وسقوط ترسانات أسلحة أمريكية كاملة بيده، واستيلائه على مئات الملايين من الدولارات و حقول النفط والثروات، داعش قام باختبار حدود المجال و الهامش الذي سيسمح له ببسط سيطرته عليه، دخل أراضي و مناطق نفوذ الحليف الوظيفي الاستراتيجي لأمريكا و” الكيان الصهيوني” في شمال العراق، إقليم كردستان العراق. فقررت القيادة الأمريكية من تحجيم داعش وإعادته لدوره الوظيفي، اي الاستمرار في إضعاف وتفتيت سوريا والعراق، ومنعه من تخريب كردستان، ولكي تحافظ الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على القواعد العسكرية والاستخباراتية التي منها تدار العمليات التخريبية و التجسسية ضد إيران وسوريا بشكل أساسي.

قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلنتون بان الكثير من الحركات الراديكالية الإسلامية في أفغانستان والمنطقة شكل استثمار استراتيجي هام جداً للولايات المتحدة، فهل يعقل بانها ستقضي على هذا الاستثمار” العدو”، المجمع الموحد والمزود بحجج لشن الحروب على الإرهاب. حتى وان خرجت هيلاري علينا مرة أخرى ونفت هذه التصريحات فيما بعد، فالصورة أضحت شديدة الوضوح بالدور الوظيفي لكل طرف في المنطقة.

قال أوباما، بأنه سيرسل جون كيري إلى المنطقة العربية ليحشد الدعم لهذا الحلف، ليضع اللحم على عظام الحلف، أي لتوزيع الأدوار على اتباعهم العرب وعلى الراغبين بالانضمام لهذا الحلف، هناك من سيمول بالمال ومن سيزود بالجنود، لقد حدد الرئيس أوباما مهمات الحلف ب”توجيه ضربات لداعش لتضعفه”، تم التأكيد الشديد على أن الولايات المتحدة والناتو سيوجهون ضربات جوية لداعش، على الطريقة الليبية. اعتقد جازما بأن كيري سيفرض على دول العرب المشاركة بتقديم ثرواتها وأراضيها وأبنائها لهذه الحرب على تنظيم قد تم نفخه وتضخيمه، أبناء العرب سيكونون لحم مدافع لداعش على الارض، حياة أبناء الغرب لها ثمن غالي عندهم، هم يقصفون من الجو ويسخرون القدرات التدميرية الهائلة للسلاح الأمريكي المجربة حديثا في غزة.

داعش، بين عواصم القرار واللحام.

شبكة تلفزيون الميادين منارة إعلامية نفاخر بها، مدير مكتبها في فلسطين، الإعلامي د ناصر اللحام، في حلقة الليلة من برنامج عواصم القرار، في معرض سرده الرؤية “الإسرائيلية” لداعش، و قرأته لعدم اعتبار كبار المحللين السياسيين والعسكرين الصهاينة لداعش كعدو “لإسرائيل”، قال كلام دخل به إلى قلب المعادلة الاستراتيجية و أعجبني القول لدقته و صحته.

“قال اللحام: …” فلسطين لا توجد فيها داعش… على الأرض كان هناك بذرة و نواة في غزة تم قمعها بقسوة في رفح من قبل حماس و انتهت الظاهرة

هذا الكلام مهم للغاية التعاطي معه اليوم لسبب آني ولسبب تأريخي، أبداء بالتاريخي، أثناء الانتفاضة الثانية وهجوم شارون الشرس على كل شيء في فلسطين خرج شارون على العالم بادعاء وجود القاعدة في غزة، بالطبع لم تكن مطلقا هناك قاعدة، لكن شارون ادعى ذلك ليربط بين هجمات سبتمبر على نيويورك و واشنطن وفلسطين وليجسد المقاوم الفلسطيني في العقلية الغربية والأمريكية خصوصاً على انه كمحمد عطا، و الصهيوني جندي أو مستوطن كان هو الضحية، ترتب على ذلك تسخير دعم أمريكي شامل لشارون، على الرغم من علم واشنطن بعدم مصداقية تلك القصص وأنها مفبركة ، لكن هذه القصص المفبركة تساعد الإدارة الأمريكية في الحفاظ على “إسرائيل” فهي قاعدتهم المتقدمة في المنطقة، و تسهل عملية تسويق تمويلها من أموال دافعي الضرائب.

السبب الآني، و في استنساخ أخر للتاريخ قال نتن ياهو في عدوانه المجرم على غزة انه يضرب حماس فقط! وكانت آلة الأعلام والبروبغانده الصهيونية قد وظفت صورة حماس كرديف لداعش والنصرة ونفت عنها صورة المقاومة، وكان الأعلام الغربي بل ومعظم الأعلام العربي (منهم من وقع في المصيدة عن غير قصد ولكن تقليد للغرب) والعالمي يتحدث عن حماس وليس المقاومة الفلسطينية، وهناك في الخلفية عملية صناعة وتشكيل صورة نمطية للمقاومة الفلسطينية في الراي العام الغربي والعربي بالمقاربة بين حماس وداعش. لقد نشر مكتب نتن ياهو الصور على مستوى واسع لترسخ ذلك المفهوم بالصورة، كانت أخرها صور تصفية الجواسيس في غزة ومقاربتها بالإعدامات الجماعية التي يقوم بها داعش.

شخصياً، كنت متيقظاً لهذه الاستراتيجية الإعلامية منذ أن وظفها شارون، وكثفت جهودي في تعريتها و تحليلها ومواجهتها في كل اللقاءات الإعلامية و الجماهيرية التي تحدثت فيها أثناء العدوان الصهيوني المجرم على غزة…لذا كانت إشارة اللحام غاية في الأهمية، و في نقطة هامة أخري تحدث عن وعي الشارع والإعلام الفلسطيني بما تقوم به الولايات المتحدة في المنطقة عندما ذكر تعامل الإعلام بسخرية مع خبر ..”غارة أمريكية بالطيران أدت إلى إعطاب دبابة لداعش”…قال اللحام …طفل فلسطيني من مخيم العروب يستطيع بأن يعطب دبابة! لا يلزم الأمر كل هذا العناء، لا يحتاج إلى سرب من الأسطول

  السادس الأمريكي”. وأضاف اللحام معلقا على تعداد داعش كما يظنه بعض المحللين الصهاينة،”…عدد الشهداء الذين قدمهم فصيل فلسطيني واحد يفوق عدد أعضاء داعش، فتح والجبهة الشعبية وفصائل  أخرى، فصيل واحد منهم قدم أكثر من ثلاثون الف شهيد…لا تٌقلق الفلسطيني هذه الظاهرة …داعش”

نصبت الافخاخ للمقاومة، فهل الصدمة والرعب تتجه نحو طهران؟

هناك الكثير من الأسئلة الواجب الإجابة عليها، لماذا تم النفخ بداعش وتجيش الجيوش لضربها إذا؟ داعش ليست عدواً ” لإسرائيل”، الإعلام الصهيوني يفصل يوميا بالصوت والصورة الخدمات الطبية “الإسرائيلية” لداعش والنصرة ويؤكد بان الكيان الصهيوني لا يعتبر داعش تهديداً. لقد حدد داعش عدوه “بالعدو القريب” سوريا والعراق وليس الكيان الصهيوني.

هل تحالف المقاومة البعثية العراقية وبعض ضباط وجنود الجيش العراقي المنحل من حقبة صدام حسين مع داعش، هو من سلحهم بخبرات عسكرية مكنتهم معاُ من التوسع وتحقيق الانتصارات السريعة على جيوش مدربة ومجهزة أمريكيا كالبشمركة والجيش العراقي الحالي؟

هل تكتيكات التوغل في الذبح والمجازر والاتجار بالبشر، هي استراتيجيات مخطط لها بعناية و تبتغي جذب أمريكا والغرب إلى المنطقة لتزجهم في أتون حرب يدفع كل من شارك في ضرب العراق الثمن؟

هل أضحت فعلا دول كدول جزيرة العرب في خطر حقيقي من أن تسقط تحت سيطرة تنظيم داعش؟علماً بان هذه الدول تحت سيطرة قواعد أمريكية هائلة التسليح، ففي قطر قواعد طيران أمريكية ضخمة جداً، وفي البحرين قواعد لقيادة وخدمات الأسطول الخامس الأمريكي، والوجود الأمريكي في السعودية كثيف جداً! من أين إذا سينفذ داعش وأعوانه إلى هذه الدول؟

اقلب في راسي سيناريو تجيش الجيوش ومغازلة أيران في جنيف، والحديث عن إيران كشريك محتمل لضرب داعش، ونفي إيران لذلك، وتحمس سوريا لدور تنفذ منه إلى صناع القرار الغربي لتقنعهم بان يكفوا حممهم عن سوريا! وانشغال روسيا الكبير في أوكرانيا وفي إعداد العدة لوقف تمدد الناتو على طول حدودها مع أوكرانيا، و انكباب روسيا على اخراج استراتيجية عسكرية جديدة للدفاع والتصدي وللحد من التوسع الغربي في مجالها الحيوي.

المقاومة الفلسطينية أنهكت في العدوان المجرم على غزة وكذلك حزب الله منشغل ومنتشر على طول الجغرافيا السورية. هل الضربات الصاعقة التي ستوجه لداعش الشام ستتمدد لتدك دمشق؟ وماذا عن قوات الأسد المتأهب هل ستقتحم درعا لتصل إلى الغوطة. ؟ (الأسد المتأهب، المناورات الدائمة للقوات الأميركية والناتو والأردن ودول الخليج بحدود19 دولة متمركزة على حدود الأردن مع سوريا).

وهل سيدخل العثماني الجديد، أروغان، إلى حلب ويوحدها مع الرقة والموصل تحت راية خلافة أحدث طبعة من خلافة أبو بكر البغدادي؟ أم هل سيلتزم كعضو في الناتو بما تحدده له قيادة الناتو، أي القيام بالضربات الجوية؟

أين هي الحدود التي سيقف هذا التحالف عندها؟ هل ستغامر هذه الدول وتوجه قوات هذا التحالف لتباغت طهران بضربات شبيه بضربات الصدمة والترهيب التي دمرت بغداد عام 2003؟ المقاومة منهكة، فهل نصبت المصيدة بأحكام؟ وهل في قدرتهم إذا تكالبوا وتكاثروا على معسكر المقاومة من تدمير المقاومة؟

كيف سيكون شكل المنطقة أو ما سيتبقى منها بعد هذه الملحمة التي ورطها فيها الغباء الشديد الذي يتسم به قادة هذه المنطقة، ضيقي الأفق، وكم ستخسر من الأبناء والثروات وكم دولة ستظهر وكم دولة ستختفي وأين ستقف حدود الكيان الصهيوني الجديدة؟

 

 د. صائب شعث

خبير في شؤون الوطن العربي

نشر السـبت 06/09/2014

 – المصدر،  وكالة معاً الإخبارية

Source:http://maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=725711

LEAVE A REPLY