البحرين… مآساة وطن

“مآساة وطن” هي فعلا كلمات تلخّص الواقع البحريني المر. نظام الحكم الخليفي المتجبّر لا يزال يتمادى في طغيانه وقمعه للشعب، ولكن، من يأمن العقاب يسيء الفعل. هذا ينطبق على النظام في البحرين الذي لا يزال يحظى بدعم الغرب وسكوت العرب والمجتمع الدولي عنه.

 

لم يسلم أحد من بطش النظام في البحرين، فالشعب، سواء الأطفال أو النساء أو الشباب، أو حتى الكبار في السن: الكل بين شهيدٍ أو معتقل أو محكوم ظلماً بالمؤبد أو الإعدام. إلا أن جرائم النظام البشعة أصبعت تزداد شناعة، فهذا النظام لا يستعرف بدينٍ سماويٍّ أو حتى بقانون حقوق الإنسان، كما أنّ المقدّسات لا تعني له شيئاً. هذا النظام دمرّ المساجد ودور العبادة وسوّاها بالأرض، وإن لم يكن ذلك الفعل شنيعاً بما فيه الكفاية، فإن السّلطات أقدمت على بناء حديقة ترفيهية على أرض “مسجد أبا ذر الغفاري” الذي كانت قد هدّمته سابقاً[1]. النظام الخليفي اعتدى على الأعراض[2] وسجن النساء وعرّضهن لأبشع أنواع التعذيب، كما أنه اعتقل الأطباء والممرضين وأذاقهم شتى أصناف العذاب في المعتقل لا لشيء سوى أنهم عالجوا الجرحى المصابين بالرصاص المتفجر المحرم دولياً والذي أطلقته قوات النظام على المواطنين المطالبين بأبسط الحقوق المشروعة. هذا النظام الساقط امتهن هو وقوات الإحتلال السعودية المتواجدة على ارض البحرين، ممارسة الإرهاب بحق الشعب البحريني الأعزل، فجنّس المرتزقة من أصقاع الارض – من باكستان والهند واليمن والاردن – وجنّدهم لقمع الشعب ومعاونة أفراد العائلة الحاكمة وأمرائها[3] على ممارسة أعمال القتل والتعذيب بحق الشعب. هذا النظام أرسل مرتزقته في سيارات دفع رباعي لدهس الأطفال والشباب وأرداهم شهداء، ونكّل بالمعتقلين الأبرياء ومزّق أجسادهم، وتعرَض حتى لأهالي الشهداء؛ فأعتقل البعض منهم وحكم عليهم بالسجن[4]، واستهدف البعض الاخر من الأهالي بالرصاص الحي أثناء إحيائهم لذكرى استشهاد ابنائهم[5]. وصلت الدناءة بهذا النظام إلى حد احتجاز جثامين الشهداء ومنع ذويهم من تشييعهم لمدة 75 يوماً[6]. أما بالنسبة للمعارضين للنظام والنشطاء الحقوقيين، فمصيرهم بالطبع هو السجن والتعذيب وحتى التجريد من الجنسية. من هوان الدهر أن يُنصّبَ الإستعمارُ عائلة قراصنة كعائلة آل خليفة كعائلةٍ حاكمة للبحرين، لتأتي هذه العائلة وتسحب الجنسية البحرينية من أبناء الشعب البحريني الأصيل.

 

Zahra AlShaikh, Habib AlMubarak, Son Hussein AlMubarak
الأم “زهرة الشيخ و الأب “حبيب المبارك” والإبن “حسين المبارك

النظام البحريني الطاغي يتميّز عن غيره من الأنظمة في انه لا يكتفي بملاحقة وتصفية معارضيه فحسب، بل يقوم بملاحقة الأبرياء واعتقالهم واعتقال افراد اسرتهم، حتى الرّضع منهم. وهنا تأتي قصة عائلة المعتقلة “زهرة الشيخ” المظلومة، والتي تمثّل معاناة الشعب البحريني. قبل عدة أشهر، أقدم عناصر مرتزقة النظام الخليفي بإعتقال “حبيب المبارك” (28 عاماً) تعسفياً واتهامه زوراً بالحرق الجنائي. بعد أن زُج به في السجن، ذهبت زوجته “زهرة الشيخ” (24 عاماً) لزيارته في السجن، مصطحبة ابنهما الرضيع، “حسين المبارك”، البالغ من العمر 6 أشهر فقط. إلا أن السلطات الخليفية الفاسدة أقدمت على اعتقال “زهرة” وابنها “حسين” أثناء زيارتهما لـ”حبيب”، وتم الزج بالأم والإبن الرضيع في السجن معاً. يذكر بأن “زهرة” سبق وان اعتقلت بوحشية في العام 2012 أثناء تظاهرة مناهضة للحكم الخليفي في العاصمة المنامة، حيث قام مرتزقة النظام بنزع الحجاب عنها وضربها وإسالة الدماء من فمها. النظام الخليفي الفاشي حكم عليها في 2012 بالسجن لمدة عام بتهمة “التحمهر” وبسبب قيامها بعضّ يد رجل أمن حاول الإعتداء عليها جنسياً. أثناء فترة اعتقالها السابقة، تعرضت “زهرة” للتعذيب والتحرش الجنسي، حيث قام عناصر النظام بتجريدها من ثيابها وتصويرها عارية، كما قامت السلطات بنقلها إلى مستشفى الطب النفسي وحبسها هناك لمدة شهرين[7].

 

هكذا، ومنذ تشرين الاول/اكتوبر 2014، اصبحت العائلة المكونة من الأب “حبيب”، والأم “زهرة”، والإبن “حسين”، تقبع في سجون نظامٍ لا يعرف الرحمة ولا يعترف بحقوق الإنسان أو حقوق الطفل. وبسبب الحالة المزرية في سجون آل خليفة، فإن “زهرة ” كانت ترتجف باستمرار من شدة البرد، وتحاول جهدها لتوفير الدفء لرضيعها لخوفها عليه؛ فـ”حسين” وُلد خديجاً، أي قبل أوانه، وهو يحتاج بإستمرار إلى رعاية صحية خاصة بسبب معاناته عند الولادة من متلازمة الضائقة التنفسية وهشاشة عظام الأطفال الخدّج. الطبيب أمر بتركيب محلول مغذي (سيلان) للطفل الرضيع[8] أثناء وجود “زهرة” وابنها “حسين” في المستشفى تحت مراقية المرتزقة يوم 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، وعندها، قام احد عناصر المرتزقة اليمني الجنسية بتحريك الانبوب لتسريع عملية التغذية، مما يسبب ألماً شديداً، فبدأ الطفل الرضيع بالبكاء من شدة الألم. أصيبت الأم “زهرة” بالذعر من فِعلة المرتزقة النجس، فأخذت تصرخ عند بكاء ابنها الرضيع، مخاطبةً المرتزق الذي خلى قلبه من الرحمة و الحس الإنساني: “هل تريد أن تقتل ابني؟” المرتزق توجه إثر ذلك إلى الشرطة النسائية ليأمر بنقل “زهرة”، متهماً إياها زوراً بالإعتداء عليه وشتمه[9].

 

تقرير طبّي يؤكّد حاجة رضيع زهرة الشيخ للعلاج
تقرير طبّي يؤكّد حاجة رضيع زهرة الشيخ للعلاجتقرير طبّي يؤكّد حاجة رضيع زهرة الشيخ للعلاج ص2

الطبيب المشرف على حالة “حسين” أكّد بأن الرضيع بحاجة للرعاية الصحية المستمرة، فإضافة إلى إصابته بفقر الدم منذ الولادة، أصبح “حسين” الرضيع يعاني الان من تأخر في النمو، وهو يعاني أيضا من التقيؤ المستمر، وحالته الصحية تسوء بسبب الأوضاع السيئة داخل السجن. مع هذا، فإن ادارة السجن تمنع العلاج الطبي عن “حسين” الرضيع، مما دفع والدته “زهرة” إلى الدخول في إضراب عن الطعام منذ يوم 20 كانون الأول/ديسمبر الماضي.

 

الشقيقان أحمد  و  عباس  الشيخ في سجون نظام  أل خليفة

إعتقال الشقيقان أحمد (19 عاماً) و عباس الشيخ  (18 عاماُ)  شقيقا  زهرة الشيخ القابعة وزوجها وراء القضبان مع رضيعهما  

ولكن فراعنة البحرين وجلاوزة النظام لم يكتفوا بإيقاع هذا القدر من الظلم على عائلة “الشيخ”؛ فقبل عدة ليالي، وبالتحديد ليلة الأحد، 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي، اقدمت المرتزقة الخليفية على اقتحام قرية السنابس واعتقال أكثر من 23 شاباً بشكل همجي، وقد كان الشابان “أحمد الشيخ” (19 عاماً) و”عباس الشيخ” (18 عاماً) من ضمن المعتقلين، وهما شقيقا “زهرة الشيخ” القابعة وزوجها وراء القضبان مع رضيعهما. في الحقيقة أصبحت الكلمات تخونني، ولم أعد أعرف ما أكتب. أقف عاجزة حين أتخيل ما تمر به والدة المعتقلين، فهي تتجرع من كأس السم يومياً بوجود أبنائها “أحمد” و”عباس” في المعتقل، إضافة إلى وجود ابنتها “زهرة” وحفيدها “حسين” وصهرها “حبيب” كلهم وراء القصبان، وهم بين أيدي المرتزقة شذّاذ الأفاق ممن لا دين له ولا ملّة. هذه الأم تدرك جيداً ما هو واقع السّجناء في البحرين، فالبعض يخرج من المعتقل بعاهةٍ دائمة، والبعض الاخر يخرج بالكفن. ولكن، وبالرغم من كون أبنائها وصهرها معرضّين للمخاطر والتعذيب الهمجي والمنع من العلاج وراء القضبان، فإن والدة المعتقلين لا تملك سوى الصبر والتحمّل والتضرع إلى الله للتفريج عنهم؛ فالإيمان يملئ قلبها، وهي تعلم بأن “الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم”. أعان الله قلب والدة المعتقلين “أحمد”، “عباس”، و “زهرة”، وفرّج الله عنهم وعن “حبيب المبارك” والرضيع “حسين” قريباً بإذن الله. صمود هذه العائلة وتضحيتها وصبرها رغم الظلم والطغيان – كل ذلك بعين الله، والنصر قريب بإذنه تعالى.

 

صبر العائلات البحرينية وتحمّلها كل الصّعاب، وتضحيات الشعب البحريني عامةً، لن تذهب سدى. إرادة هذا الشعب، وجراح المعتقلين، وآهات الأهالي، ودماء الشهداء لن تضيع هباء، بل ستحرر أرض البحرين من حكم الطغاة. الأنظمة الإستبدادية كنظام آل خليفة تتجه إلى مزابل التاريخ، بينما ستظل ذكرى الشهداء والمعتقلين والمضحين مخّلدةً، فهؤلاء لم ينههم البطش والتعذيب والقتل عن النظال في سبيل الحرية.

 

بقلم: شاهدة عيان

  


[1] “المنامة تحوّل مسجد أبا ذر الغفاري إلى حديقة ترفيهية”: http://www.alalam.ir/news/1591317
[2] “قوات النظام تعتدي على نساء بالضرب والركل إثر إقتحام منزل في عالي” : http://mirrorbh.no-ip.org/news/12152.html
[3] ” أفراد من العائلة المالكة في البحرين يعذبون معتقلين سياسيين ومواطنين”: http://bahrainmirror.com/news/1652.html
[4] “الحكم على والد الشهيدة ساجدة بالسجن 6 أشهر والفصل من العمل العسكري”: http://lulu-awal.com/news/new/news.php?newsid=1031 
[5] “تيار الوفاء يتهم الخليفيين بمحاولة قتل والد الشهيد علي بداح”: http://bahrainalyoum.net/?p=14487
[6] “حشود بحرينية تشيع الشهيد العبار بعد 75 يوما من استشهاده”: http://www.mepanorama.net/457642/حشود-بحرينية-تشيع-الشهيد-العبار-بعد-75-ي
[7] “السلطات البحرينية تحتجز رضيع ووالديه بتهم انتزعت تحت التعذيب”: http://ebohr.org/ar/?p=3495
[8] “تقرير طبّي يؤكد حاجة رضيع زهرة الشيخ للعلاج”: http://www.manamapost.com/news.php?name=2014114639
[9] “نقل زهرة الشيخ وطفلها إلى المستشفى والشرطي المرافق اتهمها بالإعتداء عليه”: http://bahrainalyoum.net/?p=15120